ابو القاسم عبد الكريم القشيري
551
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 45 ] فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ( 45 ) الظلم يوجب خراب أوطان الظالم ، فتخرب أولا أوطان راحة الظالم وهو قلبه ، فالوحشة التي هي غالبة على الظّلمة من ضيق صدورهم ، وسوء أخلاقهم ، وفرط غيظ من يظلمون عليهم . . كل ذلك من خراب أوطان راحاتهم ، وهو في الحقيقة من جملة العقوبات التي تلحقهم على ظلمهم . ويقال خراب منازل الظّلمة ربما يتأخر وربما يتعجل . وخراب نفوسهم في تعطلها عن العبادات لشؤم ظلمهم ، وخراب قلوبهم باستيلاء الغفلة عليهم خصوصا في أوقات صلواتهم وأوان خلواتهم . . نقد « 1 » غير مستأخر . قوله جل ذكره : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ . الإشارة في « بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ » : إلى العيون المتفجرة التي كانت في بواطنهم ، وكانوا يستقون منها ، وفي ذلك الاستقاء حياة أوقاتهم من غلبات الإرادة وقوة المواجيد ، فإذا اتصفوا بظلمهم غلب غشاؤها « 2 » وانقطع ماؤها بانسداد عيونها . والإشارة في « قَصْرٍ مَشِيدٍ » إلى تعطيل أسرارهم عن ساكنيها من الهيبة والأنس ، وخلوّ أرواحهم من أنوار المحابّ ، وسلطان الاشتياق ، وصنوف المواجيد . قوله جل ذكره : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 46 ] أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 )
--> ( 1 ) ( نقد ) هنا معناها معجّل ، تقابل ( وعد ) في المؤجّل . ( 2 ) الغثاء - الفاسد من الماء ، الممتلئ ببقايا الأشياء من وجه الأرض والرغوة القدرة .